الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
95
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
كما إنه لم يكن من الأمور التي تثير قلق رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وتخوفه حتى يطمئنه الله تعالى بشأنه . ولا كان أمرا على هذا القدر من الأهمية بحيث تتخذ الآية هذا الأسلوب الشديد في مخاطبة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : وإن لم تفعل فما بلغت رسالته . كل هذه تدل على أن الأمر كان أكثر من مجرد محبة عادية تلك المحبة التي كانت من أوليات الأخوة الإسلامية منذ بزوغ فجر الدعوة الإسلامية . ثم ، إذا كان القصد هو تبيان مثل هذه المحبة العادية ، فلماذا يعمد رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إلى استخلاص الاعترافات من الحاضرين قبل بيان قصده ، فيسألهم : " ألست أولى بكم من أنفسكم " ( 1 ) ؟ أيتناسب هذا مع بيان محبة عادية ؟ ثم إن المحبة العادية لا تستدعي من الناس ، وحتى من عمر نفسه ، أن يهنئ عليا ( عليه السلام ) بقوله : " أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة " ( 2 ) . حب المسلم واجب ، وعلي كسائر المسلمين ، ويجب حبه ، وليس في ذلك شئ جديد يستوجب التهنئة في ذلك اليوم وفي آخر سنة من حياة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . ثم إن هناك ارتباطا بين حديث " الثقلين " ( 3 ) وعبارات وداع رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وموالاة علي ( عليه السلام ) ، وإلا فإن حب علي ( عليه السلام ) حبا عاديا لا يستدعي أن يجعله رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في مصاف القرآن ! أفلا يرى المنصف المحايد في التعبير الوارد في حديث الثقلين أن المسألة
--> 1 - وردت هذه العبارة في روايات كثيرة . 2 - هذا القسم من الحديث يعرف بحديث " التهنئة " وقد أورده كثير من كبار علماء الحديث والتفسير والتأريخ من أهل السنة ، عن طريق عدد من الصحابة ، مثل : ابن عباس ، وأبي هريرة ، والبراء بن عازب ، وزيد بن أرقم . وقد نقل العلامة الأميني ( رحمه الله ) هذا الحديث في المجلد الأول من كتابه " الغدير " عن ستين عالما من علماء أهل السنة ! . 3 - " حديث الثقلين " من الأحاديث المتواترة التي وردت في كتب أهل السنة عن جمع من الصحابة ، منهم : أبو سعيد الخدري ، وزيد بن أرقم ، وزيد بن ثابت ، وأبو هريرة ، وحذيفة بن أسيد ، وجابر بن عبد الله الأنصاري ، وعبد الله بن حنطب ، وعبد بن حميد ، وجبير بن مظعم وضمرة الأسلمي ، وأبو ذر الغفاري ، وأبو رافع ، وأم سلمة ، عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .